مازال جرحك في قلبي نزيفَ دمٍ

كتبت في عام | الزيارات (3,966) | التعليقات 7 »
28 فبراير

منذ أيام كنت أتابع احدى المحطات الفضائية فأستوقفني لقاء ذكريات مع الداعية عصام العطار زوج بنان إبنة الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله والتي قتلت غدرا في ألمانيا عام 1981 م
كان يتحدث عن حياته حتى جاء ذكر زوجته على لسانه وقصة مقتلها وأخذ يرثيها بقصيدة وهو يبكي

بنان” ياجبهةَ الإسلام دامية           مازال جرحك في قلبي نزيفَ دمٍ
“بنان” ياصورة الإخلاص رائعةً    ويامنال الفِدى والنبل والكرم
عشنا شريدين عن أهلٍ وعن وطنٍ    ملاحماً من صراع النور والقيم
الكيد يرصدنا في كل منعطفٍ        والموت يرقبنا في كل مقتحم
والجرح في الصدر من أعدائنا نفذُ    والجرح في الظهر من صدقاننا العدم

وعلى الرغم من مرور كل هذه السنوات الطوال على مقتلها رحمها الله إلا أن من يشاهد هذا الزوج الوفي يظن وكأن زوجته قتلت بالأمس
كان يرثيها بأبيات من الشعر ثم توقف قائلا:
بنان كانت تسارع في هواي وفي رضاي
إلا في أمور لا تسمع كلامي وتكون فيها عنيدة جدا

وضرب مثالا لذلك
أتدرون ماذا  قال ؟!


قال : كانت تصر علي قبل أن أركب السيارة أن تركب هي أولا وتشغل المحرك حتى إذا ما كانت هناك قنبلة لا تنفجر بي وإنما بها.

وما رأيته وسمعته جعلني أبحث عن قصة هذه الزوجة عن هذه المرأة التي تصلح مثالا وقدوة لأي إمرأة مسلمة فوجدت بعضا مما يلي :

بنان علي الطنطاوي

بنان الطنطاوي (رحمها الله) ابنة الشيخ الفاضل علي الطنطاوي “أمد الله في عمره”.. وزوجة المجاهد المحتسب الأستاذ عصام العطار، الذي أُخرج من بلده مهاجراً بدينه وعقيدته ليستقر في ألمانيا ويواصل مسيرة الكفاح عبر مجلة “الرائد”.
في هذين البيتين الطيبين “بيت العلم والجهاد” نشأت بنان وترعرعت.. ففي بيت والدها العالم الورع الشيخ علي الطنطاوي رضعت لبان العلم والتقوى وفطمت برحيق الإيمان.. وفي بيت زوجها عصام تحلت بُحلى الجهاد.. وذاقت طعم التضحية والاستشهاد.. فأكرم بها من نعمة حباها بها الله فضلاً وتكرماً.
لقد عانت الأخت المجاهدة بنان كثيراً من زوار الفجر الذين طالما طرقوا دارها وانتزعوا زوجها ليلقوه في غياهب السجون، ظانين أنهم بذلك سيطفئون في قلبه شعلة الإيمان، ويخفون في أعماقه حبه للدعوة والجهاد.
وما أحوج الزوج المؤمن في هذه اللحظات الحرجة إلى زوجة قوية الإرادة تمده بالصبر والثبات، وكانت له “بنان” بحق خير معين في محنته.. فاستمعي إليها ـ أختي ـ وهي تكتب له في سجنه عام 1966م:
“لا تفكر فيَّ وفي أولادك وأهلك، ولكن فكر كما عودتنا دائماً بإخوانك ودعوتك وواجبك”.

وحينما ضُيِّق عليه الخناق وأُجبر على فراق الأهل والديار والزوجة والأولاد، واصلت الزوجة مواقفها العظيمة وراسلته تحثه على الثبات وعدم الخضوع:
“نحن لا نحتاج منك لأي شيء خاص بنا، ولا نطالبك إلا بالموقف السليم الكريم الذي يرضي الله عز وجل، وبمتابعة جهادك الخالص في سبيل الله حيثما كنت وعلى أي حال كنت، والله معك (يا عصام) وما يكتبه الله لنا هو الخير”.

وحينما أصيب زوجها بالشلل في بروكسل كتبت تواسيه:
“لا تحزن يا عصام.. إنك إن عجزت عن السير سرت بأقدامنا.. وإن عجزت عن الكتابة كتبت بأيدينا.. تابع طريقك الإسلامي المستقل المميز الذي شكلته وآمنت به، فنحن معك على الدوام، نأكل معك ـ وإن اضطررنا ـ الخبز اليابس، وننام معك تحت خيمة من الخيام”.

فأي قوة هذه التي تحيل المحنة إلى منحة، وتنسج من خيوط الألم واليأس بردة زاهية من الأمل المشرق.
ولم ترض الزوجة المجاهدة بالبقاء وسط الأهل وزوجها مطارد في دينه وإيمانه، ولم تطب نفسها أن تتركه وحيداً رهين “الغربة والشلل”، فلحقت به مهاجرة إلى ألمانيا، وهنالك واصلت نشاطها، وهنالك أنشأت مركزاً نسائياً للمسلمات، وقد أكرمها الله فتاب على يديها الكثيرات.
حين نتحدث عن الأخت بنان قد نتساءل: كيف تسنى لهذه المرأة أن تكون بهذه الصفات في وقت ظلت فيه بنات جيلها أسيرات الكريم والمساحيق، وبيوت الأزياء والكوافير؟ ولكن قد يزول عجبنا حينما نعلم أن الزوج هو عصام العطار، الذي تعلمت منه بنان معاني الصبر والتضحية

……………………………

و يتحدث عنها عصام العطار في مقال له ” أنا .. وعلى الطنطاوي” لمحات من ذكريات

فيقول :

ولم تندمل قطّ جراح علي الطنطاوي لفقد بنان، ولم تندمل جراحي، ولم يرقأ دمعه ولم يرقأ دمعي، ولم يسكت حزنه، ولم يسكت حزني، إلى أن اختاره الله إلى جواره
كتبَ في الحلقة “199″ من ذكرياته، بعد سنوات من استشهاد ابنته، بمناسبة يوم عيد : “أنا أكتب هذه الحلقة يوم العيد. ما على ألسنة الناس إلا التهنئات فيها الأمل الحلو، وما في قلبي إلا ذكرياتٌ فيها الألم المرّ.. فأنّى لي الآن، وهذا يومُ عيد، أن أقوم بهذا الذي كنتُ أراه واجباً عليّ ؟ كيف أصل إلى القبرين الذين ضمّا أحب اثنين إليّ : أمّي وأبي، وبيني وبينهما ما بين مكّة والشّام، وكيف أصل إلى القبر الثاوي في مدينة آخن في ألمانيا، في مقبرة لا أعرف اسمها ولا مكانها ؟ ما كان يخطر في بالي يوماً أن يكزن في قائمة من أزور أجداثَهم بنتي، ويا ليتني استطعتُ أن أفديَها بنفسي، وأن أكون أنا المقتولَ دونها، وهل في الدّنيا أبٌ لا يفتدي بنفسه بنته ؟ إذن لمتُّ مرّة واحدة ثم لم أذق بعدها الموت أبداً، بينما أنا أموت الآن كل يوم مرّة أو مرّتين، أموت كلّما خطرَتْ ذكراها على قلبي


Bookmark and Share

7 من التعليقات تمت كتابتها

أضف تعليقك
  1. مها
    29 فبراير 2008 الساعة 10:51 م

    الله يغفر لها ، وقسم بالله جتني الصيحة ، هذا الزواج الا بلاش

  2. 1 مارس 2008 الساعة 11:13 م

    كيف لاتكون وهي ابنه ” الطنطاوي ” ، هذا العالم الفقيه ..
    رحمها الله وغفرلها ولوالداها ..

    * عزيزتي الطنطاوي توفي – رحمه الله –
    غيري (( الفاضل علي الطنطاوي “أمد الله في عمره”.. ))

    :)

  3. 3 مارس 2008 الساعة 11:34 م

    مها – female

    حياكما الله ورحم الله الشيخ الأديب علي الطنطاوي وابنته بنان

    بالنسبة لعبارة أمد الله في عمره نعم وصلني العلم أنه توفي رحمه الله ولكنني لو لاحظت

    قلت أنني بحثت فوجدت بعضا مما يلي ونقلته مقتبسا دون تدخل وتصرف لأنني أردت أن أورد ما وجدته فلم أكن أعي تلك المرحلة وهذا ما شدني للبحث

    موفقة أختي وهذا يدل على أنك قرأت الموضوع بتمعن :)

  4. طموحي يغطي علكون
    15 مارس 2008 الساعة 7:22 م

    ما شاء الله… فعلاً إنسانة مميّزة…

    في تلك الحلقات.. العائلة كلها كانت تجتمع وتتابع ما يقوله الأستاذ عصام العطار…

    ما زال في هذا الزمن الكثير من الجبال….

    الحمد لله… تحية لك أختي… مدونتك تستحقّ ُ أن تـُتابع بشغف…

  5. 15 مارس 2008 الساعة 8:16 م

    طموحي يغطي علكون

    حياكم الله و متابعتكم تسعدني

  6. 22 مارس 2008 الساعة 11:32 ص

    النساء مثلها كثير ..
    ولكن أي الرجال الذين يستخرجون ما في قلوب نساءهم من وفاء !

    سلمتم

  7. 23 مارس 2008 الساعة 3:11 م

    أخي الخلوق

    صدقت
    بارك الله فيك ….

إترك تعليقك ..